سبعة عشر ألف صوت… لا يموت
أحمد سود أحمد هفج
ليست الأرقام في المآسي أعدادًا جامدة، بل قبورًا مؤجلة، وأسماءً حُذفت من دفاتر الحياة قسرًا.
وعندما تتحدث تقارير وشهادات متداولة عن سقوط آلاف القتلى من المتظاهرين في إيران، فإننا لا نكون أمام حدثٍ عابر، بل أمام علامة فارقة في تاريخ العلاقة بين السلطة والشعب، وأمام جرحٍ مفتوحٍ في ضمير الإنسانية.
سبعة عشر ألف قتيل – إن صحّت هذه التقديرات التي تتداولها منظمات وناشطون – لا يمكن اختزالهم في رقم، ولا احتواؤهم في بيان، ولا طيّهم تحت عناوين “حفظ النظام” و“الأمن القومي”.
هؤلاء بشر خرجوا يطالبون بحياةٍ أكرم، فاستُقبلوا بالرصاص، وكأن صوت الإنسان صار خطرًا يجب إسكاتُه لا الاستماع إليه.
الأنظمة قد تنجح أحيانًا في قمع الشارع، لكنها لا تنجح في قمع الذاكرة.
الدم لا يتبخر، والقبور لا تصمت، والأمهات لا ينسين.
كل ضحية ليست فقط مأساة إنسانية، بل شهادة سياسية، ومسمارًا يُدقّ في نعش أي نظام يظن أن القوة وحدها تصنع البقاء.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس عدد القتلى وحده، بل منطق التعامل معهم : تحويل الاحتجاج إلى “جريمة”، وتحويل المواطن إلى “عدو”، وتحويل الدولة إلى آلة صمّاء لا ترى إلا بعين الأمن ولا تسمع إلا صوت السلاح.
هنا تبدأ نهاية الأنظمة، لا من الشارع فقط، بل من داخلها، حين تفقد القدرة على التمييز بين الحكم والسيطرة، وبين الدولة والغلبة.
التاريخ علّمنا درسًا لا يخطئ : الأنظمة التي تبني شرعيتها على الخوف، تُهزم عندما يسقط الخوف.
قد يتأخر السقوط، وقد يبدو النظام متماسكًا من الخارج، لكن التصدعات الداخلية تبدأ من تلك اللحظة التي يُقتل فيها المتظاهر، لأن الرصاصة التي تُطلق على الصدر العاري لا تُصيب الجسد وحده، بل تُصيب فكرة الحكم ذاتها.
إن دماء الضحايا، مهما حاولت السلطة إنكارها أو طمسها أو تبريرها، تتحول مع الزمن إلى محكمة مفتوحة، لا تحتاج إلى قضاة ولا إلى مرافعات.
هي محكمة التاريخ، التي لا تُصدر أحكامها سريعًا، لكنها لا تخطئ أبدًا.
ولهذا، فإن مأساة المتظاهرين في إيران – كما في أي مكان آخر – ليست شأنًا داخليًا فحسب، بل قضية أخلاقية وإنسانية وسياسية، تُذكّر العالم بحقيقة بسيطة : لا نظام يدوم فوق جماجم شعبه، ولا سلطة تنجو إذا جعلت من القتل لغة الحوار الوحيدة.
قد يربح القامع جولة، لكنه يخسر المستقبل.
وقد يسكت الشارع اليوم، لكنه يتكلم غدًا… بلغةٍ لا تُقهر.
تصفح نت
