في ذكرى رحيل الرئيس عبدالرحمن بن يحيى الإرياني ..


في ذكرى رحيل الرئيس عبدالرحمن بن يحيى الإرياني ..

في ذكرى رحيل الرئيس عبدالرحمن بن يحيى الإرياني..

تصفح نت: كتب القاضي يحي الارياني

القاضي الذي خلدته اليمن جمهوريًا ومفكرًا وقائدًا للإصلاح وثائرا في صورة قاضي التي ظلت الجمهورية حلمه الذي لم يتخلَ عنه حتى تحققت.
في سجل الخالدين من قادة اليمن، يبرز اسم القاضي عبدالرحمن الإرياني، ليس فقط كأول رئيس مدني لليمن الجمهوري، بل كرمزٍ وطني صاغ ملامح مرحلة مفصلية في تاريخ البلاد. كان رجلًا سابقًا لعصره، أدرك أن بناء الدولة لا يمر عبر فوهات البنادق فقط، بل عبر ترسيخ مبادئ العدالة، والحوار، وتأسيس المؤسسات المختصة، والوحدة الوطنية.
منذ ثلاثينيات القرن الماضي، كان الإرياني حاضرًا في المشهد السياسيّ ثائراً ومصلحاً يقارع الاستبداد الإمامي في شبابه، ويؤسس للحكم الجمهوري في كهولته، وينحاز لقرار الشعب حتى وهو في منفاه، ليظل ضمير اليمن الجمهوري الذي لم ينكسر أمام العواصف السياسية.

وُلد عبدالرحمن الإرياني عام 1910 في بيئةٍ محافظة، لكنه سرعان ما تميز بنزعته الإصلاحية، فدرس العلوم الدينية والشرعية ، وصار قاضيًا، لكنه لم يكن قاضيًا تقليديًا، بل مثقفًا متنورًا سعى إلى توظيف قيم الشريعة الإسلاميه في إرساء العدالة وتحقيق المساواة لا تثبيت السلطة.
في عام 1948، شارك في ثورة الدستور التي سعت إلى إنهاء الحكم الفردي المطلق للإمام يحيى، ووضع أولى لبنات الحكم المؤسساتي الدستوري، لكنه اعتُقل بعد فشل الثورة، وصدر بحقه حكمٌ بالإعدام، قبل أن يتم العفو عنه لاحقًا. شارك في ثورة 26 سبتمبر 1962 ضد الحكم الإمامي كـمفكرٍ جمهوري

بعد ثورة 26 سبتمبر 1962، التي أطاحت بالحكم الإمامي، لعب الإرياني دورًا فكريًا وسياسيًا في ترسيخ قيم الجمهورية. كان الرجل يرى أن الثورة لا تكتمل بمجرد تغيير النظام، بل تحتاج إلى ترسيخ دولة القانون والمؤسسات بعيدًا عن الثأرات والعنف السياسي
في عام 1967، أصبح الإرياني رئيسًا للجمهورية العربية اليمنية، في واحدةٍ من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخ اليمن، حيث كانت الجمهورية لا تزال تواجه تهديدات خارجية وداخلية، لكن الرجل أثبت أنه ليس مجرد سياسي يتعامل مع الأزمات، بل قائدٌ يصنع الحلول.
بعد حصار صنعاء خلال حرب السبعين يومًا (1967-1968)، لم يكتفِ الإرياني بتحقيق الانتصار العسكري، بل قاد مؤتمر حرض للمصالحة الوطنية، الذي أجبر الملكيين على الاعتراف بالجمهورية.
عمل على تأسيس مجلس الشورى، كخطوة أولى نحو نظامٍ برلماني، ليكون اليمن الجمهوري دولة مؤسسات لا دولة حاكم فرد.
أطلق مشاريع تنموية وتعليمية، كان أبرزها تأسيس جامعة صنعاء (1970)، كأول جامعة حكومية في اليمن، لتكون منبرًا للفكر والعلم، وليس مجرد صرحٍ أكاديمي.

وقّع مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (الجنوب) عام 1972 أول اتفاقٍ رسمي للوحدة اليمنية، ما وضع حجر الأساس لما تحقق لاحقًا عام 1990.• فقدكان يرى أن اليمن واحدٌ بطبيعته التاريخية والجغرافية، وأن أي انقسام هو مجرد مرحلة مؤقتة،
نجح في الحفاظ على سيادة البلد واستقلاله وفي تجنيبه التبعية المطلقة لأي محورٍ إقليمي، حيث حافظ على علاقة متوازنة بين مصر والسعودية، رغم التنافس الكبير بين القوتين في ذلك الوقت
في عام 1974،قدم استقالته الى مجلس الشورى لكن المفارقة أن الإرياني لم يسعَ بالتمسك بالسلطة بالقوة، بل فضّل الانسحاب السياسي بصمت، حفاظًا على استقرار اليمن. عاش في سوريا حتى عام 1981، ثم عاد إلى اليمن، لكنه ظل بعيدًا عن المشهد السياسي المباشر، مكتفيًا بدور الناصح والمفكر الوطني.
رغم مرور عقود على رحيله عام 1998، لا يزال القاضي عبدالرحمن الإرياني حاضرًا في المشهد اليمني، ليس كشخص، بل كفكرة ورؤية سياسية وكنموذج للحكم المدني في بيئة مضطربة
كان الإرياني الرئيس الوحيد في تاريخ اليمن الذي جاء من خلفية قضائية ومدنية ، وليس عسكرية أو قبلية، مما جعله نموذجًا استثنائيًا في الحكم المدني.
في زمنٍ تعاني فيه اليمن من الصراعات والانقسامات، تبدو تجربة الإرياني وكأنها مشروعٌ لم يكتمل، وقائدٌ لم يُمنح الفرصة الكافية لإنجاز رؤيته بالكامل. كان يؤمن بأن اليمن بحاجة إلى حوارٍ، وإلى دولة قانون لا دولة أشخاص، لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا:
هل سيتعلم اليمنيون من تجربة الإرياني، أم أن تاريخه سيبقى مجرد درسٍ في كتب النخبة؟
مهما كان الجواب، يبقى عبدالرحمن الإرياني واحدًا من أعظم القادة في تاريخ اليمن الحديث، وأحد رموز الفكر الجمهوري والإصلاح الوطني

تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين